ابن عطية الأندلسي
336
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
يجاوز . واختلف الناس في الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ كم كانوا ؟ فقال البراء بن عازب : كنا نتحدث أن عدة أهل بدر كعدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ، ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ، وفي رواية : وثلاثة عشر رجلا ، وما جاوز معه إلا مؤمن ، وقال قتادة : ذكر لنا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر : « أنتم كعدة أصحاب طالوت » ، وقال السدي وابن عباس : بل جاوز معه أربعة آلاف رجل ، قال ابن عباس : فيهم من شرب ، قالا : فلما نظروا إلى جالوت وجنوده قالوا : لا طاقة لنا اليوم ، ورجع منهم ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون ، هذا نص قول السدي ومعنى قول ابن عباس ، فعلى القول الأول قالت الجملة : لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ ، على جهة استكثار العدو . فقال أهل الصلابة منهم والتصميم والاستماتة : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ الآية ، وظن لقاء اللّه على هذا القول يحسن أن يكون ظنا على بابه ، أي يظنون أنهم يستشهدون في ذلك اليوم لعزمهم على صدق القتال ، كما جرى لعبد اللّه بن حرام في يوم أحد ، ولغيره ، وعلى القول الثاني قال كثير من الأربعة الآلاف : لا طاقة لنا على جهة الفشل والفزع من الموت ، وانصرفوا عن طالوت ، فقال المؤمنون الموقنون بالبعث والرجوع إلى اللّه وهم عدة أهل بدر : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ والظن على هذا بمعنى اليقين ، وهو فيما لم يقع بعد ولا خرج إلى الحس . قال القاضي أبو محمد : وما روي عن ابن عباس من أن في الأربعة الآلاف من شرب يرد عليه قوله تعالى : هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ، وأكثر المفسرين على أنه إنما جاوز النهر من لم يشرب إلا غرفة ومن لم يشرب جملة ، ثم كانت بصائر هؤلاء مختلفة ، فبعض كع وقليل صمم ، وقرأ أبي بن كعب « كأين من فئة » ، والفئة الجماعة التي يرجع إليها في الشدائد ، من قولهم : فاء يفيء إذا رجع ، وقد يكون الرجل الواحد فئة تشبيها ، والملك فئة الناس ، والجبل فئة ، والحصن ، كل ذلك تشبيه ، وفي قولهم رضي اللّه عنهم : كَمْ مِنْ فِئَةٍ الآية ، تحريض بالمثال وحض واستشعار للصبر ، واقتداء بمن صدق ربه ، و « إذن الله » هنا تمكينه وعلمه ، فمجموع ذلك هو الإذن ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ بنصره وتأييده . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 250 إلى 251 ] وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 250 ) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ ( 251 ) بَرَزُوا معناه : صاروا في البراز وهو الأفيح من الأرض المتسع ، و « جالوت » اسم أعجمي معرب ، والإفراغ أعظم الصب ، كأنه يتضمن عموم المفرغ عليه ، والهزم أصله أن يضرب الشيء فيدخل بعضه في بعض ، وكذلك الجيش الذي يرد يركب ردعه ، ثم قيل في معنى الغلبة : هزم ، وكان جالوت أمير العمالقة وملكهم ، وكان فيما روي في ثلاثمائة ألف فارس . وروي في قصة داود وقتله جالوت ، أن أصحاب طالوت كان فيهم إخوة داود وهم بنو إيشى ، وكان داود صغيرا يرعى غنما لأبيه ، فلما حضرت الحرب قال في نفسه : لأذهبن لرؤية هذه الحرب ، فلما نهض